السيد محمد الصدر

276

تاريخ الغيبة الصغرى

والظاهر من التعبير الوارد في الرواية : اشتراك كلا الشيئين في ولاية الأمة . ولم يحدث ذلك في التاريخ إلا في السنوات المتأخرة التي عشناها ونعيشها ، حين أصبح الحكام في شرقنا الاسلامي يمثلون الشرق الملحد والغرب المشرك معا ، ويعتبرونهما معا مثلا أعلى وقدوة تحتذى ، لو قيست بمبادئ الاسلام وتعاليمه ، في رأيهم الخاطئ . ومن ذلك : قوله : يتكلم الرويبضة . فان المراد به - كما فسره صلى اللّه عليه وآله في نفس الحديث - : كل رجل يتكلم في أمر العامة ، لم يكن يتكلم قبل ذلك . وإن أفضل فهم لهذه العبارة ، هو أن يقال : أنه عاش المجتمع المسلم عدة قرون ، لا يتكلم باسم العامة ولا يدير شؤونهم إلا أشخاص صادرون عن الدين بشكل وآخر ، كالخلفاء والقضاة والفقهاء . حتى ما إذا ورد تيار الحضارة الحديثة إلى العالم الاسلامي ، أباح جماعة من المنحرفين لأنفسهم أن ينطقوا باسم العامة أو باسم الشعب وينظروا في أمره ويديروا شؤونه ، من دون أن يكون لهم أي حق حقيقي سوى السيطرة التي اكتسبوها بالقوة والحديد والنار على الناس . وأصبح التكلم باسم الشعب شعارا راسخا يقتنع به الكثيرون ، بالرغم من أنه يمثل انحرافا حقيقيا عن الاسلام الذي يوجب تكلم الحاكم باسم اللّه لا باسم الشعب . ولعل التعبير بالرويبضة يشعرنا بوجود تيار رابض أو كامن بين أبناء الاسلام دهرا من الزمن ، انتج في نهايته هذه النتيجة . وهذا أمر صحيح ، بعد الذي نعرفه من التاريخ الحديث ، من أن الاستعمار استطاع أولا السيطرة الثقافية والعقائدية على عقول عدد كبير من أبناء هذه البلاد ، مما أنتج في نهاية الخط ، سيطرتهم على الحكم وممارستهم الأساليب الكافرة في إدارة بلاد الاسلام . فكانت تلك السيطرة أعدادا كامنا لايجاد هذا الحكم في نهاية المطاف . وهذا يبرهن أيضا على صحة ما في هذه الأخبار ، مما قد تكلمنا عنه فيما سبق ، من أن الأمراء يصبحون كفرة والوزراء فجرة وذوي الرأي فيهم فسقة . الأمر الثامن : أشرنا في منهج الفهم الدلالي للروايات ، إلى أنه قد يرد فيها تعابير يختلف